همسات حواء

هنا يرسو قلمي و يبوح فؤادي بما يختلجه من هموم وشجون بكل صدق وحرية بعيدا عن النفاق الاجتماعي

لحظة مريرة

كانت عيناها تائهتان في الأفق البعيد وكأنها تتابع روح زوجها وهي في رحلتها نحو المثوى السماوي الأخير حيث الظلام والمجهول,ورغم الجلبة المحيطة بها والممتزجة بالنواح والنحيب الذي أعطى ألحانا من الضجيج المنظم واليأس القاتل ,ووسط هذا الخضم الهائل من النساء اللواتي كن يواسينها ,لم تكن تحس إلا بنفسها ,ولم تكن ترى سوى ذكرياتها ,ولم تكن تفكر سوى في غدها ومستقبلها وهي وحيدة دون ذلك الذي شاركها حياتها, وحيدة دون الرجل الذي قاسمها أفراحها وأتراحها.

فجأة بدأت الدنيا تسود في عينيها ثم سقطت بعدها في هوة عميقة لاقرار لها..هوة منفصلة عن المادة,هوة سيطر عليها الهدوء والسكون والظلام القاتم, وأصبح اللاوعي واللاشعور أسياد الموقف وملوك اللحظة . في هذا العالم الجديد تراءى لها طيف زوجها من بعيد وهو يقترب منها و يحدثها بصوته المتهدج الوقور وكأنه قادم من أغوار سحيقة.

كانت تسمعه وتتبين صوته وهو واقف لا يحرك شفتيه, سمعته وهو يوصيها بالعناية بالأولاد..سمعته وهو يحثها على الصبر والجلد ..سمعته وهو يشجعها على مقاومة الظلام الكثيف وعدم الاستسلام للضعف والوهن..ثم بكى وبكى حتى أصابها بدموعه ..واستمر على حاله وهو يبتعد ويبتعد. لم تتحمل فكرة ذهابه فمدت يدها إليه وحاولت أن تصرخ لكن شفتيها أعلنتا الثورة ولسانها أشهر العصيان..لقد تلاشى فجأة كما ظهر فجأة وهاهي قد أصبحت وحيدة من جديد يحيط بها خوف مبهم وغربة وألم.

سرت قشعريرة باردة في جسدها أعادتها فورا إلى عالم الواقع حيث لامفر من الحقيقة ولا هروب من القدر ..استفاقت الأرملة لتجد نفسها وجها لوجه أمام ابنتها الشابة التي تحاول منع  العبرات من الانعتاق من قضبان جفنيها وهي بين مطرقة افتقاد والدها وسندان حزن والدتها.

صارت كعصفورة جريحة الجناح أصابتها رصاصة من بندقية اسمها القضاء والقدر فلم تستطع الطيران في سماء الحياة ولم تقبلها طبيعة الأرض.. أصبحت المسكينة منهكة القوى فالعقل يأمر والجسد يتمرد..أدركت أنها ستكون من اللحظة كئيبة بعد رحيل زوجها رب أسرتها ومعيلها.

تعجبت ثم أعجبت لنساء صبرن في أحلك الأوقات وتحملن رزايا ونوائب يشيب لها الولدان وتساءلت في قرارة نفسها من أين لهن بهذا الصبر وهذه القوة؟ فلم تجد إلا أن ترفع كفيها نحو البارئ عز وجل راجية أن يلهمها الصبر والسلوان.

وبقلب مؤمن مستسلم لقضاء الله نهضت تتقبل تعازي الحاضرين بشجاعة وصبر, فقد أدركت أنه تعالى مثلما يهب بنين جدد فإنه يسترجع أرواحا أخرى ,فصاحب الشيء أحق به كما يقال..

 



أضف تعليقا